تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المطران جلوف: القدرة الإلهية قادرة على تحويل الضعف إلى قوّة واليأس إلى بداية جديدة

جلوف

النائب الرسولي للاتين في سورية : يقول المزمور (103: 1-5): «باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل خيراته، فإنه يشبع بالخير نفسك، فيتجدد كالنسر شبابك». تمثّل هذه الآية صورة رمزية للتجدد الروحي، حيث تُشبَّه الإنسان بالنسر الذي يمر بمراحل صعبة ليعود إلى الحياة بقوة جديدة.

تُشير الدراسات الرمزية إلى أن النسر، الذي يُقال إنه يعيش نحو سبعين عامًا، يواجه في منتصف عمره تحديًا وجوديًا، إذ يثقل ريشه، وتضعف مخالبه، ويصبح منقاره غير صالح للصيد. في هذه المرحلة، ينسحب إلى الجبال، حيث يخوض عزلة تمتد عدة أشهر، ويتخذ قرارًا مصيريًا يتمثل في تجديد ذاته عبر عملية مؤلمة وصعبة. يقوم النسر بانتزاع ريشه القديم، وكسر مخالبه، وتحطيم منقاره على الصخور، فيصبح ضعيفًا ومعرّضًا للخطر. غير أن هذه المرحلة القاسية تمثل مخاضًا ضروريًا لولادة جديدة، إذ ينمو له ريش جديد، ومخالب قوية، ومنقار صالح للصيد، مما يمكّنه من الاستمرار في الحياة ثلاثين عامًا إضافية.

هذا التشبيه يعبّر عن التجدد الروحي الذي يدعو إليه الإنجيل، حيث يُطلب من المؤمن أن "يخلع الإنسان القديم" ليلبس "الإنسان الجديد في المسيح يسوع". فالنعمة الإلهية هي القوة التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة المحن، وتعيد إليه سلامه الداخلي، وتجدّد إيمانه. إنها لمسة إلهية تخترق القلب فجأة، فتمنحه حياة جديدة وسط التحديات.

يميّز اللاهوتيون نوعين من النعمة:

1. النعمة الدائمة: تجعل الإنسان هيكلاً للروح القدس، تدخل حياته عبر المعمودية والأسرار، وتمنحه هويته كابن الله.

2. النعمة الفعلية: وهي تدخّلات الله العابرة في الحياة اليومية، مثل الإلهامات والقوى التي تأتي في اللحظة المناسبة، كأن يجد الإنسان القدرة على الغفران فجأة، أو أن يُضاء له حدث أو لقاء.

النعمة هي قوة خفية تسندنا وتفتح لنا الأبواب المغلقة. مهما بذل الإنسان جهدًا وتخطيطًا، يبقى هناك جانب لا يُفسّره العقل أو المنطق، جانب يشير إلى عناية إلهية ترافقه وتمنحه القدرة حين يضعف، والأمل حين ييأس، والطريق حين يضيع. كم من مرة ضاقت السبل بالإنسان ثم انفرجت بباب لم يكن في الحسبان!

إنّ ادراك هذه النعم يجعل القلب أكثر تواضعًا وشكرًا، ويمنح الإنسان يقينًا بأن ما يحققه في حياته ليس بقوته وحدها، بل بتوفيق الله الذي يمده بالعون في الوقت الذي يحتاجه، ليعلم أن الرحمة الإلهية أوسع من حدود قدرته، وأن القوة الحقيقية تأتي من السماء قبل أي جهد جسدي.

القدرة الإلهية قادرة على تحويل الضعف إلى قوّة، واليأس إلى بداية جديدة. وكلّما استشعر الإنسان هذا اللطف الخفي، ازداد قربًا من الله وامتلأ قلبه يقينًا بأن ما كُتب له سيأتيه مهما كان بعيدًا. وأن ما قدّره الله له لن يمنعه أحد. وهكذا يعيش الإنسان مطمئنًا، يعمل ويسعى وهو يعلم أن فوق جهده قوّة تحفظه، وفوق خططه حكمة تدبّر له، وفوق خوفه رحمة تسنده، فيمضي في حياته بثبات لا يتزعزع وثقة لا تنطفئ.

عندما الإنسان يقف أمام قرار مصير لا يعرف كيف يتخذه، يضع الله في قلبه نورًا يرشده، وفي عقله بصيرة تهديه، وفي طريقه علامة تطمئنه. وكلما ازداد قربًا من الله ازداد وعيه بأن النعم ليست مساعدات وقتية، بل رسائل محبة ورحمة تذكّره بأن الله أرحم من نفسه به، وأنه لا يتركه يتخبط في ظلمات الحياة دون أن ينقذه، أو يفتح له بابًا للخلاص.

إن نعمة الله ليست حدثًا عابرًا في حياتنا، بل حضور دائم يرافق خطواتنا ويمنحنا القدرة على تجاوز ما نظنّه فوق طاقتنا، لنمضي في الطريق بثقة لا تهتز.

المصدر: موقع أبونا.