تحت أرضية بازيليك القديس بطرس الفاتيكانيّة، وبعيدًا من عظمة الكنيسة التي تبهر المؤمنين، يمتدّ أحد أكثر المواقع دلالة في تاريخ المسيحيّة؛ فسراديب الموتى القديمة، المعروفة بالنيكروبوليس، تمثّل شهادة أثرية ذات قيمة استثنائية.
السراديب ليست المغاور الفاتيكانيّة الواقعة أيضًا تحت البازيليك؛ ففي المغاور التي يزورها يوميًّا آلاف الحجّاج والسيّاح، توجد اليوم ضرائح بابوات عدّة مثل بولس السادس وبنديكتوس السادس عشر، وفيها كابيلات صغيرة يمكن الاحتفال فيها بالذبيحة الإلهيّة.
أمّا السراديب، فتقع على عمق يتراوح بين 3 و11 مترًا تحت الجزء المركزي للكنيسة. ويُسمح حصرًا لـ250 شخصًا بالسير يوميًّا في داخلها حفاظًا عليها. فيها يُحفظ مسار الطريق الترابي القديم الذي يقود إلى قبر القديس بطرس، أمير الرسل.
حفريّات كشفت أسرار التاريخ
اكتُشِفَت السراديب في الأعوام الأولى من حبرية البابا بيوس الثاني عشر الممتدّة بين عامَي 1939 و1958، عندما أُطلقت أعمال تنقيب تحت المذبح الرئيسي وفي الجزء الأوسط من المغاور. حينها عثرت الحفريات على ضريح بطرس الرسول.
وفي النيكروبوليس ظهرت نقوشٌ لأسماء رجال ونساء وعدد كبير من الأطفال، بعضهم ينتمي إلى عائلات عبيد خدموا في البلاط الإمبراطوري قبل إعتاقهم. بالإضافة إلى بعض الرسمات للمسيح، التي تعود إلى القرون الأولى.
تربة حفظت المكان من التآكل
أسفرت العمليّة أيضًا عن ظهور مبانٍ جنائزية من الطين تعود إلى القرن الثاني، صُمِّمت لاستيعاب نحو 1000 ميت. وقرب ذلك المكان كان هناك ملعب روماني كبير فيه يُقتل بعض الناس في خلال مقاتلتهم الوحوش الضارية أو في المعارك بين المحاربين، لذلك برزت الحاجة إلى مقابر. وبعدما كانت المقابر في الأصل مكشوفة، استُخدمت لاحقًا أساساتٍ لأوّل بازيليك شُيّدت في المكان في خلال العصر القسطنطيني؛
إذ في القرن الرابع، شكّل قرار الإمبراطور قسطنطين بناء كنيسة عظيمة مباشرة فوق ضريح بطرس تحوُّلًا جذريًّا في معالم تلّة الفاتيكان، حيث هُدِمَت الأجزاء العلوية من المباني الجنائزية، ما أتاح تشييد معبد ضخم مؤلّف من خمسة أقسام، يدعمه 48 عمودًا.
تطلّب هذا المشروع نقل كمّيّة هائلة من التربة لتسوية الأرض ذات الطبيعة المعقّدة والمنحدرة. وأوقفت هذه العملية استخدام السراديب، لكنها في الوقت نفسه ضمنت الحفاظ عليها طوال القرون تحت التراب.
وبذلك، في صمت الأرض ترقد اليوم آثار هذا الموقع القديم، لتجمع بين التاريخ والعمارة والذاكرة والإيمان.
المصدر: آسي مينا / إلياس الترك