Aller au contenu principal

عندما يصبح الصمت سؤالًا لاهوتيًا

لحظة الكايروس: ألف يوم من الحرب في غزة واختبار الضمير
كايروس فلسطين، غزة

بقلم: سند ساحلية*

بعد ألف يوم من الحرب في غزة، لا يأتي بيان المبادرة المسيحية الفلسطينية "كايروس فلسطين" الأخير بوصفه مجرد تعليق جديد على مأساة مستمرة، بل كنداء لمواجهة سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يتحول الصمت أمام الألم والظلم إلى قضية أخلاقية ولاهوتية بحد ذاته؟

فالبيان لا يصف فقط حجم الدمار الإنساني، بل يعلن أن مرور ألف يوم ليس مجرد تراكم زمني للأحداث، وإنما يمثل "لحظة كايروس"، أي لحظة مفصلية في التاريخ تستدعي موقفًا أخلاقيًا يتجاوز التعاطف إلى المسؤولية، ويضع الكنائس والمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي للضمير.

في الفكر المسيحي، يميّز اللاهوت بين زمنين: الكرونوس والكايروس. الكرونوس هو الزمن الذي يُقاس بالأيام والسنوات، أما الكايروس فهو الزمن النوعي، اللحظة التي يكتسب فيها الحدث معنى يتجاوز حدود الزمن العادي، ويصبح دعوة إلى قرار ومسؤولية. وعندما يصف بيان كايروس اليوم الألف بأنه "لحظة كايروس"، فإنه لا يستخدم التعبير كاستعارة أدبية فقط، بل يطرح سؤالًا جوهريًا على الكنائس: هل تبقى الشهادة المسيحية مجرد موقف روحي رمزي، أم تتحول إلى التزام عملي تجاه الإنسان الواقع تحت الألم؟

هذه الفكرة تشكل جوهر خصوصية خطاب كايروس فلسطين منذ ظهوره، إذ يحاول الجمع بين الإيمان المسيحي والعدالة الإنسانية، معتبرًا أن الرسالة الإنجيلية لا يمكن فصلها عن الدفاع عن كرامة الإنسان ورفض الظلم. ومن هذا المنطلق، لا يتعامل البيان مع الحرب بوصفها أزمة سياسية منفصلة، بل باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا يطال معنى الشهادة المسيحية في زمن العنف.

يتجاوز البيان الوصف الإنساني للكارثة نحو قراءة سياسية أوسع، إذ يصف ما يجري، بحسب رؤيته، ضمن بنية استعمارية استيطانية تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي. وبهذا ينتقل الخطاب من الحديث عن حوادث منفصلة إلى محاولة فهم السياسات والممارسات باعتبارها جزءًا من مسار متراكم يؤثر في حياة المجتمعات الفلسطينية.

وتستند هذه القراءة إلى أمثلة يشير إليها البيان، من بينها سياسات مصادرة الأراضي التي تعتمد على إجراءات إدارية وقضائية تؤثر في حقوق الملكية، وتوسّع المستوطنات المدعوم بالبنية التحتية والموارد، إضافة إلى منظومة من الإجراءات مثل القيود على الحركة، ونظام التصاريح، وهدم المنازل، والتي يرى البيان أنها تسهم في زيادة الضغط على المجتمعات المحلية وإضعاف قدرتها على الصمود.

ولا يقدم البيان هذه العناصر كوقائع منفصلة، بل كأدوات مترابطة تنتج، بحسب رؤيته، واقعًا جديدًا على الأرض، حيث تتداخل الجغرافيا والسياسة والديموغرافيا في مسار يعيد تشكيل حياة السكان ومحيطهم.

وفي هذا السياق، يوجه بيان كايروس نداءً خاصًا إلى الكنائس في العالم، داعيًا إياها إلى تجاوز لغة القلق العام والانتقال إلى خطوات عملية. فالشهادة الدينية، وفق منطق البيان، لا تكتمل بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى مواقف تترجم القيم المسيحية إلى مسؤولية عامة.

وهنا يكمن أحد أكثر جوانب البيان إثارة للنقاش، إذ يربط بين الموقف اللاهوتي والممارسة العملية، معتبرًا أن رفض الظلم لا ينبغي أن يبقى في إطار الخطاب، بل يجب أن يتحول إلى أشكال من المساءلة والمشاركة المدنية. ولذلك يدعو البيان إلى استخدام أدوات سياسية واقتصادية غير عنيفة، مثل المقاطعة وسحب الاستثمارات والضغط من أجل آليات قانونية دولية للمساءلة.

غير أن الانتقال من الخطاب الأخلاقي إلى الفعل يواجه تحديات كبيرة. فالكنائس والمؤسسات الدينية تعمل داخل سياقات سياسية واقتصادية معقدة، حيث تتداخل العلاقات الدولية والمصالح الاستراتيجية والانقسامات الداخلية حول قضايا الشرق الأوسط. كما أن تحويل المواقف الأخلاقية إلى سياسات عملية يحتاج إلى تنظيم طويل الأمد، وليس فقط إلى ردود فعل مرتبطة بالأحداث الطارئة.

لهذا فإن التحدي الأكبر الذي يطرحه بيان كايروس لا يتعلق فقط بما ينبغي أن تقوله الكنائس، بل بما هي مستعدة لتحمله من تبعات عندما تتحول الأقوال إلى مواقف. فالمسألة، في جوهرها، ليست مجرد اختيار سياسي، بل سؤال يتعلق بمعنى الشهادة المسيحية نفسها: هل الإيمان قادر على أن يتحول إلى قوة دفاع عن الإنسان عندما يكون هذا الإنسان مهددًا بالظلم والدمار؟

في جوهره، لا يكتفي بيان كايروس فلسطين بإدانة الحرب أو وصف المأساة، بل يدعو إلى تحول في طريقة النظر إلى المسؤولية. إنه يضع الكنائس والمجتمع الدولي أمام سؤال يتجاوز اللحظة الراهنة: كيف سيُقرأ هذا الزمن في ذاكرة التاريخ؟

ففي منطق الكايروس، لا يُقاس الزمن فقط بعدد الأيام التي مرت، بل بالقرارات التي اتخذها الإنسان عندما واجه الحقيقة. واليوم الألف، وفق رسالة البيان، ليس مجرد ذكرى مؤلمة لحرب طويلة، بل لحظة اختبار للضمير، حيث يصبح الصمت نفسه موقفًا، وتصبح العدالة دعوة لا يمكن تأجيلها.

* سند ساحلية صحفي وكاتب فلسطيني.