Aller au contenu principal

عندما تختفي الوجوه خلف الشاشات

رافي

رافي سايغ - في رسالته الخاصة بمناسبة اليوم العالمي الستين لوسائل التواصل الاجتماعي، يضع قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر الكنيسة والعالم أمام تساؤل يبدو بسيطًا لكنه عميق في مضمونه: ماذا يبقى من الإنسان حين يُمحى وجهه وصوته ويُختزل حضوره إلى بيانات؟

فالرسالة التي حملت عنوان "الحفاظ على الأصوات والوجوه البشرية" تدفعنا من جديد إلى إدراك وتمييز نعمة الوجه والصوت، اللتين تظهران هوية الإنسان الفريدة التي لا تتكرر، وتشكلان العنصر الأساسي لكل لقاء إنساني حقيقي. فالوجه والصوت، كما يذكّرنا الإنجيل بالعديد من الأمثلة، ليسا مجرد أدوات عرض، بل علامة الإنسان المتفاعل مع الآخرين. الوجه هو ما يراه الآخر عندما يقترب مني، والصوت هو ما يسمعه حين أخرج من ذاتي لأخاطبه. وبهذا الفهم ندخل في قيم وإحساس المعاني، ونتذكر أيضًا أن الله كشف عن ذاته للإنسان، ليس كفكرة مجردة، بل ككلمة حيّة صار لها وجه وصوت في تاريخنا.

من هذا المنطق، لا يمكن قراءة التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي على أنها مجرد تطوّر تقني محايد. نحن اليوم أمام تحول في طريقة اختبار الإنسان لذاته، وللآخرين، وللواقع. تخيلوا ماذا يحدث للإنسان حين يعتاد أن يتواصل بلا وجه حقيقي، وأن يتكلم بلا صوت ينبض بالإحساس والمشاعر التي خصّنا الله بها.

التواصل، بمعناه الإنساني العميق، ليس تبادل معلومات فحسب، بل لقاء أشخاص. هذا اللقاء يفترض زمنًا، وصبرًا، وإصغاءً، واستعدادًا للتأثر بالآخر. وهذا ما ربما نسيناه عن نعمة التواصل الحقيقي. أما ما تفرضه اليوم المنصات الرقمية فهو منطق مختلف، منطق التدفق السريع، وردود الفعل الفورية، والانتباه المجزأ. في هذا الإطار، يقاس نجاح الإنسان بعدد النقرات، لا بمعنى الفهم، وبكمية التفاعل، لا بجودة العلاقة.

تسلط الرسالة البابوية الضوء على أن الخوارزميات صُممت لتغذية نمط معين من التواصل، يكون أكثر ربحًا للشركات التي تستغل هذه الوسائل، خاصة عندما يثير المحتوى الانفعال السريع. ومع الوقت، يتوقف التفكير والتأمل، ويصبح عقلنا مهيأً وفق برمجة محددة مسبقًا حسب الدراسات الحديثة، ويُوجّه وعينا وسلوكنا دون أن نشعر. فجأة يجد الإنسان نفسه محاصرًا في فضاء مغلق فكريًا، حيث يعاد إنتاج الآراء نفسها وتعزيز القناعات القائمة للفرد حسب مصالح مؤسساتية. بذلك، يضعف الإصغاء والتفاعل مع الآخر المختلف، فلا يُلغى الآخر فحسب، بل يُستبدل بصورة مريحة عنه. وهنا نفقد لقاء الآخر المختلف، ونلتقي فقط بما تقدمه لنا الخوارزمية، وهذا التحول، وإن بدا للبعض طبيعيًا كنتيجة للتطور، يؤدي في العمق إلى تآكل القدرة على التفكير النقدي والحوار المسؤول، وإضعاف البحث والتدقيق والتمييز.

حتى الذكاء الاصطناعي، في شكله الحالي، يعمل على أساس الاحتمال الإحصائي، وليس على أساس الحقيقة بمعناها الفلسفي والأخلاقي. فهو يجمع أنماطًا، ويقترح إجابات، وينتج نصوصًا، وقد يكون ذلك مفيدًا للإنسان إذا استخدم بشكل متوازن وأخلاقي. بالمقابل، علينا أن نتذكر دومًا أن هذه الإجابات ليست مرجعًا نهائيًا للمعرفة. فعندما يسلم الإنسان ذاكرته وتحليله وتمييزه للآلة، لا يصبح فقط أقل كفاءة، بل أيضًا أكثر هشاشة، لأن القدرات التي لا تُمارس تضعف، والحرية التي لا تُختبر تُفرغ من مضمونها.

وللأسف، كما تشير الرسالة البابوية، يتراجع دور الصحافة الميدانية، ويضعف التحقق من المصادر، وتنتشر المحتويات المنتَجة حسب اتجاهات محددة، فتصبح الحقيقة، التي هي هدفنا الدائم، عرضة للتآكل. فيتحول تفكيرنا حين نستبدل السؤال الملح "هل هذا صحيح؟" بالسؤال "هل هذا مقنع؟"، وهنا يتحول الإنسان من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك لانطباعات غير حقيقية.

وأكثر من ذلك، روبوتات الدردشة القادرة على محاكاة التعاطف قد تلبي حاجة حقيقية لإنسان اليوم، خاصة حين يشعر بالوحدة أو العزلة، لكن علينا أن نتذكر أن كل هذا غير كامل وبه يتم فقدان جوهر اللقاء الإنساني الحقيقي. هذا النوع من المحاكاة لا يملأ مكان العلاقات الحقيقية، ويجعل النسيج الاجتماعي في خطر إذا اعتدنا عليه.

ورغم هذا الواقع، يجب أن نكون واقعيين وشجعان. علينا أن لا نرفض التطور ولا نهرب منه، بل أن نمتلك الشجاعة والمسؤولية في استخدام هذه الوسائل، وتوظيفها بما يحفظ كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية، التي هي جوهر رسالتنا في الحياة. كما يقول قداسة البابا، يجب أن يكون الإنسان جوهر كل عمل. ومن هنا تأتي أهمية التربية المسيحية في جميع المجالات، سواء في الشركات، أو مراكز البحث والتطوير، لضمان أن يبقى الإنسان محور كل ابتكار، وأن لا يكون التقدم التقني على حساب قيمته وحضوره في الحياة.

اليوم، لا نريد وجوهًا وأصواتًا تختفي خلف الشاشات، بل نريد أن نتذكر جميعًا أننا خلقنا على صورة الله ومثاله. نريد أن نرى الآخر الذي بجانبنا، وفيه نجد قصص نجاحنا وتطورنا، وكعلامة محبة ولقاء، لا انعزال أو انغلاق.

إن وجوهنا وأصواتنا ليست مجرد تفاصيل، إنها عطية وهدية من الله، تحمل معناها العميق في كل تواصل وكل لقاء. عندما نعيد للوجوه حضورها، وللأصوات صدقها، نعيد للإنسان حريته وكرامته. لن نتوقف عن التطور، بل سنوجهه ونحمله معنا لنكون أدوات حقيقية للخير والمحبة. فالإنسان لم يُخلق ليكون ظلًّا خلف الشاشة، بل شخصًا حاضرًا بكل جوارحه، ينشد الحبّ واللقاء، ويترك أثرًا في العالم من خلال حضوره الحقيقي وعلاقاته الصادقة. وبهذا، يبقى الإنسان حاملًا صورة الله في وجهه وصوته، نابضًا بالحياة، مستمرًا في بناء مجتمعات تقدر اللقاء، وتحتفي بالعلاقات، وتعيش الإنسانية بروحها الكاملة.