كثيرًا ما نسمع في زمن الصوم عن ضرورة تَرافُقِه مع الصلاة والصدقة، انطلاقًا من ورودها معًا في تعليم الربّ يسوع عنها لدى متّى الإنجيليّ: «مَتَى صُمتم… ومتى صلّيتم… ومتى تصدّقتم» (6: 1–18).
هذه «الصادات الثلاث: صوم، صلاة، صدقة» ليست مجرّد ممارسات دينيّة، بل أركان أساسيّة في حياة المسيحيّ، تعكس بعمقٍ روح صادٍ رابعة هي «الصليب» في حياتنا الإيمانيّة، كما شرح الأب نويران ناصر الدومنيكي، في حديثه. وبيَّنَ أنّ الصلاة تعكس البُعد العموديّ الذي يربط الإنسان بالله، يسمع المؤمن عَبْره صدى السؤال الإلهيّ الأوّل: «فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟»، نداءٌ يُعيد الإنسان إلى حضرة الله، ليواجه حقيقته عِوَض أن يختبئ.
وتابع: «تعكس الصدقة البُعد الأفقيّ الذي يربط الإنسان بأخيه الإنسان، وتضعنا أمام السؤال الإلهيّ الثاني: "فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟"، وهي دعوة للخروج من الأنانية، والاعتراف بأنّ الإيمان الحقيقيّ لا يُعاش دون الآخر». أمّا الصوم، وهو محور الزمن الذي نعيشه اليوم، فيعكس المصالحة والصدق والسلام الداخليّ التي يعيشها الإنسان في علاقته مع ذاته، بحسب ناصر.
«حين نتأمّل كلمات الكتاب المقدّس: "ارجِعوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُم، بِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ" (يو2: 12)، نُدرك أنّ الصوم ليس مجرّد امتناعٍ عن الطعام، بل مسيرة عودة الإنسان إلى ذاته متسائلًا: "ماذا أفعل بنفسي؟ كيف أتعامل مع ضميري؟ وهل أعلم من أكون حقًّا؟"، ليدرك حينئذٍ أنّ الرجوع إلى الله يكون عبر الرجوع إلى ذاته بصدق».
وأكّد أنّ إنسان اليوم لا يُعاني ضعف الإيمان فحسب، فمعاناته فردانيّةً قاتلة وتضخّمًا للذات وخوفًا من الآخَر، هي أقسى وأمَرّ. «نحن نخاف من الآخَر لأنّنا لم نتصالح بعد مع أنفسنا، ونرفضه لأنّنا لم نواجه حقيقتنا». ودعا إلى تأمّل كلمات البابا الراحل فرنسيس «الصوم يُحرّرنا من التعلّق بأنفسنا، ويجعلنا أكثر انتباهًا لله والآخرين»، لنُدرك أنّ الذي يصوم عن أنانيّته يستطيع أن يُحبّ حقًّا، فيعيش الصوم زمنًا لشفاء «الأنا» الجريحة، لا تغذية «الأنا» المتضخّمة. «فالصوم زمن شفائنا، لأنّنا نسمح لله أن يُعيد ترتيب دواخلنا».
نكتشف في زمن الصوم أنّ المشكلة ليست في العالم، بل في داخلنا، وأنّها ليست في وجود الآخَر، بل في رفضنا له. لذلك، يدعونا الصوم إلى تفكيك الأنا المنغلقة، وفتح القلب للنعمة، لنكتشف أنّ الإنسان لا يُخلِّص نفسَه بنفسه، بل يَخْلُص حين يسمح لله أن يلتقيه في عمق ضعفه.
وختم ناصر داعيًا إلى جعل الصوم مدرسة حرّيّةٍ من الاستهلاك ومن التمركز حول الذات، وانفتاحٍ للقاء الله، والذات، والآخَر. «الصوم ليس هروبًا من العالم، بل عودة صحّيّة إلى الإنسان الحقيقيّ الذي أراده الله منذ البدء إنسانًا متصالحًا مع ذاته، منفتحًا على أخيه، وساكنًا في حضرة الله».
المصدر: آسي مينا / جورجينا حبابه