Skip to main content

المرأة في الكتاب المقدس: بوابة التحول في تاريخ الخلاص

موقع أبونا

إعداد: د. عدلي قندح

إن المتأمل في الإنجيل المقدس يلاحظ كيف تعامل السيد المسيح مع المرأة بمحبة واحترام وتقدير، فأعاد إليها كرامتها الإنسانية والروحية، وجعل منها شاهدة للإيمان ورسولة للرجاء. ومن خلال هذه النظرة الإنجيلية يكتشف القارئ أن المرأة لم تكن شخصية عابرة في تاريخ الخلاص، بل كانت، في كثير من محطاته المفصلية، أداة اختارها الله لتكون بداية مرحلة جديدة من تدبيره الخلاصي. فكلما أراد الله أن يفتح صفحة جديدة في علاقته مع الإنسان، نجد امرأة تقف عند بداية الطريق، تحمل في قلبها آلام البشرية، وفي إيمانها بذور الرجاء، لتصبح بطاعتها وثقتها بالله جسرًا تعبر عليه مواعيده من الوعد إلى التحقيق، ومن السقوط إلى الفداء، ومن الموت إلى الحياة.

منذ الصفحة الأولى للكتاب المقدس، خلق الله الإنسان “ذكرًا وأنثى” على صورته (تكوين 1: 27)، في إعلان واضح أن صورة الله لا تكتمل إلا بالشركة، وأن الرجل والمرأة معًا يحملان الدعوة الإلهية ذاتها. لكن التحول الأول في تاريخ البشرية ارتبط بامرأة، حين دخلت الخطيئة إلى العالم من خلال عصيان حواء (تكوين 3: 6). غير أن اللافت أن الله، في اللحظة نفسها، أعلن أول بشارة بالخلاص، فجاء الوعد مرتبطًا أيضًا بامرأة: “وهو يسحق رأسك” (تكوين 3: 15). وكأن الله أعلن منذ البداية أن المرأة التي كانت شاهدة السقوط ستكون أيضًا بوابة الخلاص.

ثم تأتي سارة، المرأة التي تجاوزت سن الإنجاب، لتصبح رحمًا للوعد الإلهي، فيولد إسحق تحقيقًا لعهد الله مع إبراهيم (تكوين 21: 1-3). لقد تحولت استحالة الطبيعة إلى إمكانية النعمة، وأصبحت امرأة عجوز بداية أمة كاملة، لأن الله أراد أن يؤكد أن مشروع الخلاص لا تحكمه قوانين الجسد بل سلطان الوعد.

وفي البرية، تبكي هاجر المطرودة وابنها إسماعيل، فيسمع الله صوت الغلام ويرى دموع الأم (تكوين 21: 17-19). هنا تظهر المرأة بوصفها موضع عناية الله حتى في الهامش، لأن الرحمة الإلهية لا تعرف التمييز بين ابن الجارية وابن الحرة.

وتأتي رفقة لتصنع، وسط تعقيدات التاريخ، انتقال البركة إلى يعقوب (تكوين 27)، ثم تتحول راحيل وليئة إلى أمهات الأسباط الذين سيخرج منهم شعب الله المختار (تكوين 29-30). إن الله لا يصنع التاريخ من القصور، بل من البيوت المليئة بالتعب والانتظار والدموع.

وعندما يخرج الشعب من مصر، لا يقف موسى وحده في المشهد، بل ترتفع مريم النبية بالدفوف لتقود أول تسبيح جماعي بعد العبور (خروج 15: 20-21)، وكأن أول استجابة للخلاص كانت صوت امرأة يسبح الله.

ثم تظهر دبورة، المرأة التي جمعت بين النبوة والقضاء والقيادة (قضاة 4: 4-9)، لتقود شعبًا بأكمله إلى النصر، في زمن كان الرجال فيه يتهيبون المواجهة. لقد أراد الله أن يعلن أن القوة الروحية لا تقاس بالجنس بل بالإيمان.

وتأتي راعوث الموآبية، الأجنبية الفقيرة، لتدخل في سلسلة نسب المسيح نفسه (راعوث 4: 13-17). إنها لحظة تحول كبرى، حيث تتحول الغريبة إلى جدة للملك داود، ليؤكد الله أن مشروع الخلاص عالمي، وأن الإيمان أقوى من حدود العرق والجغرافيا.

وفي حنة، أم صموئيل، يتحول البكاء إلى صلاة، والصلاة إلى نبي يقود إسرائيل (1 صموئيل 1: 10-20). ومن رحم امرأة منكّسرة يولد أحد أعظم أنبياء العهد القديم.

ثم تقف أستير داخل القصر الفارسي، مخاطرة بحياتها من أجل شعبها، قائلة: “فإن هلكت هلكت” (أستير 4: 16). لقد تحولت امرأة واحدة إلى جسر نجاة لأمة كاملة، حين انتصر الإيمان على الخوف.

لكن نقطة التحول الأعظم في تاريخ البشرية كلها جاءت مع فتاة ناصرة بسيطة اسمها مريم. عندما قال لها الملاك: “السلام لك أيتها المنعم عليها” (لوقا 1: 28)، لم يكن يخاطب امرأة فحسب، بل كان يعلن بداية الخليقة الجديدة. وعندما أجابت: “هوذا أنا أمة الرب، ليكن لي كقولك” (لوقا 1: 38)، انفتح التاريخ على التجسد، وصار الله إنسانًا. هنا تتجلى أعظم مفارقة في الكتاب المقدس: حواء قالت “لا” فسقط الإنسان، ومريم قالت “نعم” فدخل المخلص إلى العالم. وبين الكلمتين يتحرك تاريخ الخلاص كله.

ولم يكن حضور المرأة في خدمة المسيح أقل عمقًا. فالسامرية (يوحنا 4: 28-30) تحولت من امرأة منبوذة إلى أول مبشرة في السامرة. والخاطئة التي غسلت قدميه بدموعها (لوقا 7: 37-50) تحولت من رمز للخطيئة إلى أيقونة للتوبة. ومريم أخت مرثا جلست عند قدمي يسوع كتلميذة تتلقى التعليم (لوقا 10: 39)، في مشهد كسر كثيرًا من الحواجز الثقافية والدينية.

وعند الصليب، حين هرب كثيرون، بقيت النساء واقفات (يوحنا 19: 25). وحين قام المسيح، لم يظهر أولًا للسلطات ولا للكهنة ولا للرسل المجتمعين، بل ظهر لمريم المجدلية وأرسلها لتعلن القيامة (يوحنا 20: 17-18). وكأن التاريخ الذي بدأ بامرأة عند شجرة المعرفة، يبدأ من جديد بامرأة عند القبر الفارغ.

وفي الكنيسة الأولى، كانت النساء مع الرسل في العلية يواظبن على الصلاة (أعمال 1: 14)، مشاركة في ولادة الكنيسة، وفي سفر الرؤيا تبلغ الصورة ذروتها في المرأة المتسربلة بالشمس (رؤيا 12: 1)، رمز الكنيسة والنعمة والانتصار، التي تلد وسط المخاض لكنها تبقى محفوظة بعناية الله.

إن التأمل في مسيرة المرأة في الكتاب المقدس يكشف أن الله لم يستخدم المرأة على هامش التاريخ، بل جعلها في قلب مشروع الخلاص. ففي كل مرحلة انتقالية تقريبًا نجد امرأة تحمل الوعد أو تحرسه أو تشهد له أو تعلنه. من حواء إلى مريم، ومن سارة إلى مريم المجدلية، ومن دبورة إلى أستير، ومن راعوث إلى المرأة المتسربلة بالشمس، يتكرر الدرس ذاته: عندما يتهيأ الله لبدء فصل جديد في تاريخ الخلاص، كثيرًا ما يختار قلب امرأة مؤمنة ليكون باب العبور إلى تلك المرحلة الجديدة.

ولعل هذا هو السر الذي جعل السيد المسيح يكرم المرأة في حياته كلها، في الحديث معها، وفي شفاءها، وفي الدفاع عنها، وفي قبول شهادتها، وفي إسناد إعلان القيامة إليها. فهو لم يغيّر فقط نظرة المجتمع إلى المرأة، بل كشف المقصد الإلهي الأصيل منذ بدء الخليقة: أن المرأة ليست تابعًا في مسيرة الخلاص، بل شريكة في صنعها، وحاملة للرجاء، ووعاء للنعمة، وعلامة دائمة على أن الله يصنع أعظم أعماله من خلال القلب المتواضع المستجيب لمشيئته.

المصدر: موقع أبونا