Skip to main content

إسرائيل تدفع نحو نزوح بطيء من آخر بلدة مسيحية في الضفة الغربية

الأب فواضله: "لن نسمح بتفريغ هذه الأرض من المسيحيين"
 الأب بشار فواضله: لن نسمح بتفريغ هذه الأرض من المسيحيين

الطيبة - الضفة الغربية - وكالة الأنباء الإسبانية (EFE) - باتريسيا مارتينيث ساستري – ترجمة "نبض الحياة"

تبدو شوارع بلدة الطيبة، البلدة الوحيدة ذات الغالبية المسيحية الكاملة في الضفة الغربية، شبه خالية. لا مطعم واحد مفتوح، وفرص العمل شحيحة، والمستوطنون الإسرائيليون يبثّون الرعب بشكل شبه يومي، فيما بات جزء كبير من سكانها، ولا سيما الشباب، من أصل نحو 1200 نسمة، يفكّر في الرحيل.

يقول الأب بشّار فواضله، راعي كنيسة المسيح الفادي التابعة للبطريركية اللاتينية في القدس وأحد أبرز أصوات البلدة، في حديث لوكالة الأنباء الإسبانية: "نحن في خطر. قد تُفرَّغ هذه الأرض من المسيحيين، لكننا كمسيحيين، ككنيسة، لن نسمح بذلك".

هجمات المستوطنين

يمتزج قرع أجراس الكنائس الثلاث التي تعلو تلال البلدة القريبة من رام الله — كنيسة المسيح الفادي للاتين، وكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، وكنيسة الروم الأرثوذكس — في هواء دافئ بطيء، كأنه تذكير بأن الحياة مستمرة رغم ما يبدو من جمود.

يقول شاب فلسطيني يُدعى "عيسى" (اسم مستعار) إنه يرغب في الانتقال للعيش في إسبانيا. يدرس اللغة عبر تطبيق "دولينغو" ويستطيع نطق بعض الكلمات مثل "تفاحة". ويؤكد أن فرص العمل شبه معدومة، وأن عدداً من أصدقائه هاجروا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

كانت هجمات المستوطنين متكررة في السابق، لكنها تفاقمت منذ ذلك الحين في أنحاء الضفة الغربية، في ظل سياسة حكومية تشجّع على إنشاء بؤر استيطانية جديدة، ومنح تراخيص السلاح، وتسهيل الوصول السريع إلى الطرق والمياه والمركبات والخدمات الأساسية.

في 5 كانون الأول/ديسمبر الماضي، أحرق مستوطنون سيارتين في الطيبة وكتبوا على "حاوية شحن" عبارة بالعبرية تقول: "الحرية لإسرائيل" إلى جانب رسم نجمة داود. وتكرر هجوم مشابه مطلع شباط/فبراير.

وفي أواخر حزيران/يونيو 2025، هاجم مسلحون إسرائيليون الطيبة وبلدة كفر مالك المجاورة، فأحرقوا منازل ومركبات. وقُتل ثلاثة فلسطينيين بالرصاص في كفر مالك، من دون اتضاح ما إذا كان مصدر النار مستوطنين أم جنوداً إسرائيليين.

وبعد أيام، في 8 تموز/يوليو، أضرم مستوطنون النار في محيط كنيسة القديس جاورجيوس الأثرية في الطيبة، التي تعود إلى القرن الخامس، وفي محيط مقبرة البلدة.

وأثار الهجوم زيارة بطاركة الكنائس المسيحية في الأرض المقدسة، الذين عبّروا في بيان مشترك عن قلقهم من "مناخ الإفلات من العقاب السائد"، ومن اقتصار الشرطة الإسرائيلية على الحديث عن أضرار مادية دون الإشارة إلى "سياق أوسع من الترهيب والانتهاكات المنهجية".

الطيبة، كنيسة المسيح الفادي للاتين
الطيبة - كنيسة المسيح الفادي للاتين 

تراجع سكاني ملحوظ

غادرت نحو 15 عائلة البلدة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي ما يقارب 70 شخصاً، بحسب الأب فواضله. ومنذ عام 2016 انخفض عدد السكان بنحو 300 شخص، وفق بيانات السجل المدني التي عرضها.

ويقرّ الكاهن بأن كثيرين يخططون للهجرة من الطيبة ومن الضفة الغربية عموماً — إذ يحتاج الفلسطينيون إلى تصاريح خاصة لدخول إسرائيل أو العمل فيها بما في ذلك القدس الشرقية — داعياً المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى الضغط على إسرائيل "إذا أرادوا بقاء المسيحيين الفلسطينيين".

ويضيف: "نحن مسيحيون ولن نغادر مدينتنا، لكن للأسف هناك كثيرون يفكرون بالرحيل من هذه المدينة ومن هذا البلد. عندما تُفرَّغ الأرض المقدسة، موطن يسوع، من المسيحية، فهذا يعني ظلاماً للعالم كله".

وفي الطيبة تحديداً، تشكّل البطريركية اللاتينية ركيزة أساسية للحياة المحلية، إذ تدير مدرسة ومركزاً طبياً ومنصة إعلامية وبيت للمسنين ومنازل ضيافة وأربع رهبانيات، إضافة إلى معصرة زيت زيتون ونوادٍ رياضية وموسيقى وفنون الدبكة الشعبية.

الهجرة كخيار أخير

يستهدف المستوطنون أيضاً بساتين الزيتون — مصدر الرزق الرئيسي للبلدة — ويعرقلون وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم.

وخلال زيارة وكالة الأنباء الإسبانية، اقتحم نحو خمسة مستوطنين — بعضهم بدا قاصراً — أرض أحد السكان بأغنامهم. وعندما شاهدوا سيارة الصحافيين، أغلق اثنان منهم الطريق بمركبتيهما بطريقة تهديدية ومنعا مرورهم مؤقتاً.

ويقول مسن من الطيبة، فضّل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الانتقام، إنه لم يزر أرضه الواقعة على أطراف البلدة منذ ثلاث سنوات، حيث يملك نحو مئة شجرة زيتون: "إنهم يفرضون القانون بأيديهم".

ويذهب فواضله أبعد من ذلك قائلاً: "نحن تحت قيود الحكومة الإسرائيلية المتطرفة: سموتريتش وبن غفير ونتنياهو. يريدون إقامة مملكة إسرائيل، هذا حلمهم"، قبل أن يشير إلى التهجير القسري في غور الأردن وخطة الاستيطان "E1" التي تهدف إلى فصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية، وإلى الخيار الوحيد المتبقي أمام كثير من الفلسطينيين: "الهجرة من هذه الأرض".