أربيل - يُواجه المؤمن تحدّياتٍ عدّة في زمن الصوم المقدّس، لا سيّما حين يُقاوم رغبته في تناول مزيدٍ من الطعام، بعد انقطاعٍ موقَّت عنه، مجتهدًا في الانتصار على تحدّي «الشراهة».
بينما يظنّ كثيرون أنّ الشراهة مقتصرةٌ على الإفراط في الطعام والشراب، يكشف الكتاب المقدّس وتعليم الكنيسة أنّها أوسع وأعمق بكثير، وأنّها تشمل كلّ رغبةٍ مفرطة تَستَعبِد الإنسان وتبعده عن الله، كما شرح الأب أنطوان زيتونة، الكاهن في أبرشيّة الموصل الكلدانيّة، في حديثه عبر «آسي مينا». وأحالنا إلى إنجيل لوقا (12: 13-21)، لنقرأ رواية الربّ يسوع مَثَل الغنيّ الذي اكتنز لنفسه ولم يغتنِ عند الله، ليقدِّم الردَّ الوافي على مطالبة رجلٍ من الجمع سأله أن يأمر أخاه بمقاسمته الميراث.
جوع إلى أمان زائف
هذا الرجل الغنيّ لم يكُن جائعًا إلى خبز، بل إلى أمانٍ زائف، قائمٍ على التملّك، ظنَّ أنّه ناله بوفرة الخيرات المكتنزة، فحدَّثَ نفسه: «يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي!»، لكنّ السماء كان لها رأيٌ آخَر: «فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ». هنا، يُبيِّن الربُّ أنّ المشكلة الأساسيّة ليست في امتلاك الخيرات، بل في التعلّق المفرط بها، حين تتحوّل الرغبة إلى سيّد، والإنسان إلى عبد. «هذه هي الشراهة في جوهرها: عبادة الرغبة والشهوات بدل عبادة الله»، بحسب زيتونة.
يشرح توما الأكوينيّ أنّ الشراهة هي «الرغبة المفرطة في الطعام»، وتُدرجها الكنيسة ضمن الخطايا الرئيسة السبع، كونها تُفقِد الإنسان سيطرته على ذاته، حين ينسى نفسَه أمام الطعام راغبًا في الاستزادة والغلوّ في التلذّذ، أي تجاوز حدود الحاجة الطبيعيّة، ما يجعل الشراهة رذيلة مُخجلة.
هل التلذّذ خطيئة؟
ونبّه زيتونة إلى أنّ التلذّذ بعطايا الله، ومنها الطعام، ليس خطيئة في ذاته، لكنّ الإفراط وتجاوز حدّ الاعتدال يُفْقِد الإنسان حرّيته ويُضعف تمييزه الروحيّ. فيُصبح واحدًا من «الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ»، كما حذّرنا القديس بولس (في 3: 19). وليس البطن هنا إلّا رمزًا لكلّ رغبةٍ تستَعبِد القلب.
لطالما حاول الإنسان أن يروي عطشه الروحيّ بملذّات الأرض، لكنّه ازداد عطشًا عوض الارتواء حين تناسى أنّ عطشه الداخليّ لا يرويه إلّا الله. وختم زيتونة: «لا تنكر الكنيسة على الإنسان سعيه إلى سدّ حاجته من الطعام والشراب وسائر الاحتياجات الأخرى، لكنّها تدعوه إلى مراعاة الاعتدال في جميعها. فالشراهة في الطعام، والغلوّ في التعاطي مع الأشياء، والرغبة الجامحة غير المنضبطة في الحصول عليها، وإساءة استخدامها أيضًا، كلّها تضع الإنسان في سجن العبوديّة، فضلًا عمّا تسبِّبه من أمراضٍ جسديّة ونفسيّة وروحيّة».
المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.