تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

“خذوا الروح القدس” (يوحنا 20: 19-23) تأمل أحد العنصرة

الروح القدس

الأب جوني أبو خليل - أيها الأحبة المباركون،

نعيش اليوم عيد العنصرة، عيد الروح القدس،
عيد الكنيسة التي وُلدت من قلب الخوف لتصبح كنيسة رسالة ورجاء.

يبدأ الإنجيل بصورة مؤثرة جدًا:

“كان التلاميذ في دار أُغلقت أبوابها خوفًا…”

إنها ليست فقط صورة التلاميذ قبل ألفي سنة،
بل صورة عالمنا اليوم أيضًا.

كم من الأبواب مغلقة في حياتنا:
أبواب الخوف…
أبواب القلق…
أبواب الحرب والتعب…
وأبواب اليأس وفقدان الرجاء.

حتى العائلة أحيانًا أصبحت “علية مغلقة”:
يجتمع الناس في البيت الواحد،
لكن دون حوار حقيقي،
ودون صلاة،
ودون دفء روحي.

والشباب أيضًا يعيشون أحيانًا خلف أبواب مغلقة:
خوف من المستقبل، وضياع داخلي، وفراغ يحاول العالم أن يملأه بالضجيج والمظاهر.

لكن وسط هذا كله، يقول الإنجيل:

“فجاء يسوع وقام بينهم”.

يسوع لم ينتظر أن تُفتح الأبواب، بل دخل هو بنفسه.

لأن الرب لا يترك كنيسته، ولا يترك العائلة، ولا يترك الشباب، ولا يترك الأرض المقدسة في آلامها.

وأول كلمة قالها لهم كانت:

“السلام عليكم”.

العنصرة تبدأ بالسلام.

فالروح القدس لا ينزل على قلب مليء بالخوف والانغلاق، بل على قلب يفتح ذاته لله.

العالم اليوم يعطي الإنسان كل شيء إلا السلام:
تكنولوجيا…
سرعة…
وسائل تواصل…
لكن الإنسان من الداخل متعب ووحيد وخائف.

لهذا تأتي العنصرة لتقول لنا:
السلام الحقيقي ليس غياب الحرب فقط، بل حضور الله في القلب.

ثم يُرينا الإنجيل أمرًا عميقًا جدًا:

“أراهم يديه وجنبه”.

أي أراهم جراحه.

وكأن يسوع يقول لنا:
حتى بعد القيامة بقيت الجراح، لكنها لم تعد جراح موت، بل جراح حب وخلاص.

كم نحن اليوم نحمل جراحًا كثيرة:
جراح الخوف،
وجراح العائلة،
وجراح الشباب الذين يبحثون عن معنى لحياتهم…

لكن عندما يدخل الروح القدس إلى حياة الإنسان،
تصبح الجراح مكانًا تعمل فيه نعمة الله.

ثم يصل الإنجيل إلى قلب العنصرة:

“نفخ فيهم وقال لهم: خذوا الروح القدس”.

هذا النفخ هو خلق جديد.

كما نفخ الله في آدم نسمة الحياة، ها هو المسيح ينفخ في الكنيسة حياة جديدة.

العنصرة ليست ذكرى من الماضي فقط، بل دعوة لكي تتجدد الكنيسة اليوم.

نحن بحاجة إلى “عنصرة جديدة”…

عنصرة جديدة للعائلة، وعنصرة جديدة للشباب،
وعنصرة جديدة للدعوات الكهنوتية والرهبانية.

أيها الأحبة،

العائلة المسيحية ليست فقط مكانًا للسكن، بل كنيسة صغيرة.

لكن عالم اليوم يحاول أن يُبعد الله عن البيت:
بالانشغال،
وبالبعد عن الصلاة،
وبضعف الحوار والمحبة.

كم من البيوت فيها كل شيء…
إلا السلام الداخلي وحضور الله.

لهذا نحن بحاجة إلى عنصرة جديدة داخل العائلة:
أن يعود الروح القدس إلى البيت،
في الصلاة،
وفي المغفرة،
وفي الجلوس معًا،
وفي الإصغاء لبعضنا البعض.

فالأولاد لا يتعلمون الإيمان فقط بالكلام، بل عندما يرون الأب والأم يصلّيان ويعيشان المحبة.

العنصرة الجديدة للعائلة تعني:
أن يعود البيت مكان سلام، ومكان حضور لله،
ومكان ينمو فيه الإيمان والرجاء.

وأما أنتم أيها الشباب والشبات الأحباء،

فالروح القدس اليوم يناديكم كما نادى الرسل.

العالم يقول لكم:
عيشوا لأنفسكم فقط…

أما الروح القدس فيقول لكم:
أنتم خُلقتم لرسالة أعظم.

كنيسة الأرض المقدسة بحاجة إليكم، بحاجة إلى شباب لا يخجلون من الإنجيل، ولا يخافون أن يعيشوا القداسة وسط عالم متعب.

نحن بحاجة إلى عنصرة جديدة توقظ الدعوات.

فالرب ما زال يمر اليوم بين شبابنا ويقول:
“اتبعني”.

يدعو كهنة يحملون قلب الراعي الصالح،
ورهبانًا وراهبات يشهدون للمحبة،
وعائلات مقدسة تعيش الإنجيل بفرح.

الدعوة ليست خسارة للحياة،                           بل اكتشاف معناها الحقيقي.

وكم تحتاج أرضنا المقدسة إلى دعوات جديدة،
إلى قلوب مشتعلة بالروح القدس،
لا تخاف من الصليب ولا من صعوبات الرسالة.

والدعوات غالبًا تولد:
في بيت يصلي،
وفي عائلة مؤمنة،
وفي كنيسة حيّة.

وفي نهاية الإنجيل يقول يسوع:

“كما أرسلني الآب أرسلكم أنا أيضًا”.

العنصرة ليست فقط تعزية، بل إرسال.

فنحن مدعوون اليوم:
أن نحمل السلام بدل الخوف،
والرجاء بدل اليأس،
والمحبة بدل الانقسام،
وأن نكون شهودًا حقيقيين للمسيح في الأرض المقدسة.

لكن يسوع لم يترك الكنيسة وحدها في طريقها،
بل كانت أمنا مريم حاضرة في العلية،
تصلي مع الرسل وتنتظر معهم حلول الروح القدس.

فبين الخوف والرجاء، كانت مريم صورة الإيمان الثابت، والقلب المفتوح لعمل الله.

هي التي استقبلت الروح القدس يوم البشارة،
ها هي اليوم ترافق الكنيسة في ولادتها الجديدة يوم العنصرة.

وكم نحن بحاجة اليوم إلى حضورها في عائلاتنا وشبابنا، كي تعلّمنا الصلاة والثقة بالله، والثبات وسط التجارب، والإصغاء لصوت الروح القدس وسط ضجيج العالم.

يا مريم، أم العنصرة، إشفعي من أجل كنيسة الأرض المقدسة، ومن أجل عائلاتنا وشبابنا، كي نعيش “عنصرة جديدة” تقودنا دائمًا إلى المسيح.

علمينا ان نفتح اليوم أبواب قلوبنا،
ولنطلب أن يدخل المسيح إلى علية حياتنا، وينفخ فينا روحه القدوس، كي نصبح كنيسة حيّة، وعائلات مقدسة، وشبابًا يحملون نور المسيح إلى العالم. آمين.